ورد في صحيح بخاري ـ كتاب الوضوء ـ باب استعمال فضل وضوء الناس:
قال أبو موسى دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه (بصق) ثم قال لهما اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما!
………
حتى لو اعتبر بليون ونصف البليون مسلم هذا التصرف تصرفا نبويّا موحى من الله لن يجعله تصرفا مقبولا، لأنه باختصار تصرف منافي للعلوم الطبية والأخلاق!
لذلك عندما يتهمونني بأنني أغضب وأثور وأجرح باسلوبي بليون ونصف بليون مسلم، إنما يؤكدون على أنني مازلت أحتفظ بحسي الإنساني ومازلت قادرة على التعبير عن ذلك الحس!
قد أجرح مشاعرهم، لكنني حكما أدواي عقولهم!
كم من طبيب استأصل عين مريض لأنها تسرطت، وسبب من جرّاء ذلك آلاما نفسية للمريض لكنه في الوقت نفسه قد أنقذ حياته؟!
موقفي من التعاليم الإسلامية لا يجرح المشاعر، بقدر ما ينفخ الروح في جثة هامدة لا مشاعر فيها!
على مدى أربعة عشر قرنا من الزمن قرأ المسلمون الحديث السابق ولم يشعر أحد منهم، بما فيهم أطبائهم، بأن هناك شيئا يبدو منافيا للمنطق أو الإدراك العام Common sense الذي يفترض أن يملكه الإنسان مهما كان بسيطا.
الإسلام قتل لدى أتباعه ذلك الإدراك!
الناس اللامبالون هم أشد خطرا على المجتمع من المجرمين، فاللامبالاة هي التي تمهد لحدوث الجريمة.
السبب وراء مآسينا هي أننا ابتلينا بإنسان غير مبال، جردته تعاليمه من أحاسيسه فلم يعد يحسّ بمآسيه ويسعى لحل تلك المآسي!
لا يستطيع الشر أن يتسلل إلى المجتمع إلا عندما يفقد الناس في ذلك المجتمع قدرتهم على أن يلاحظوا ما يحدث، ويبالوا بما يلاحظوا.
هذا الإنهيار الفظيع الذي أصاب الأمة الإسلامية على كل الأصعدة لم يحدث في ليلة واحدة، بل كان نتيجة حتمية لحالة الإستهتار التي عاشها المسلم منذ محمد وحتى اليوم!
……………….
يولد الطغاة من رحم اللامبالاة، ولذلك زخر التاريخ الإسلامي بهم!
ليس الطاغية وحده هو المسؤول، وإنما المواطن الذي فقد قدرته على أن يبالي وتعامل مع مجريات الأحداث بحيادية جبانة!
عندما يتعلق الأمر بالعدالة الإجتماعية لا يوجد محايد، إما معها وإما ضدها!
لا نستطيع أن نلوم الحاكم وحده في أي بلد إسلامي على الوضع المزري الذي يعاني منه البلد، لأن البلد وصل إلى ذلك الوضع خلال عشرات القرون وليس بين ليلة وضحاها.
لهذا السبب لم تستطع قوى المعارضة عبر التاريخ الإسلامي، ولن تستطيع، أن تفعل شيئا طالما تتناول القضية من خلال الحاكم، وتغض النظر عن تاريخ طويل ساهمت تعاليمه في قتل الإحساس لدى المواطن العادي.
اللامبالاة هي حالة تخدير عقلي عندما تعمّ تشل المجتمع وتحوله إلى جثة هامدة لا حراك فيها.
كان حري بتلك القوى أن تلتفت إلى المواطن العادي وتسعى لإعادة تأهيله قبل أن تشير باصبع الإتهام إلى أي حاكم!
هل نستطيع أن نحمل الحاكم مسؤولية الجرائم التي ترتكب بحق النساء، طالما لا يحرك الأمر شعرة لدى المواطن العادي؟!!
كيف سيبالي ذلك المواطن طالما يؤمن بأن المرأة حرث يأتيه الرجل من حيث وكيفا يشاء، كيف سيبالي بقضية اغتصاب طفلة وانتهاك حرمتها وقد اغتصب نبيه طفلة وهو في خمسينياته؟!
عبر التاريخ الإسلامي كان الحاكم قادرا على أن يتحكم برقبة المواطن، ولكنه لم يكن إطلاقا قادرا على أن يقترب من عقيدة ذلك المواطن!
في القرن الواحد والعشرين، هل يستطيع حاكم اسلامي أن يصدر قانونا يعتبر الرجل الذي يقتل المرأة بحجة الدفاع عن الشرف مجرما؟!
طبعا لا!
ولكنه استطاع ويستطيع دوما أن يدوس على رقبة الرجل المسلم، لأن شرف المسلم في قرآنه وليس في كرامته!
لو كنت تسكن بجوار رجل شرس، وعلى مدى خمسين عاما راح يتجاوز الحد الفاصل بين أرضك وأرضه إنشا إنشا مستغلا عدم مبالاتك بذلك النذر اليسير. مع الزمن تستيقظ لتراه داخل غرفة نومك أو ربما في سريرك، فما الذي تستطيع أن تفعله؟!!
هل نستطيع اليوم أن نفعل شيئا حيال ما توصلنا إليه عبر تاريخ طويل من اللامبالاة وعدم الإكتراث؟!
استرداد قدرة الإنسان على الملاحظة واسترداد حماسه الطبيعي للتفاعل مع ما يلاحظ ليس بالسهولة التي نتصورها عندما يتعلق الأمر بالمسلم!
الخطورة لا تكمن في أنه لا يستطيع أن يغير واقعه، بل في كونه لا يبالي بتغييره.
عندما تبالي بما يجري في مجتمعك، سيدفعك إهتمامك إلى إيجاد الوسائل والطرق التي تساعدك على أن تغيره، أما وطالما لا تبالي بتغييره لن تقوم إطلاقا بذلك التغيير.
عندما يتطلع طبيب إلى امرأة انتهكت جسديا وعقليا وعاطفيا وإنسانيا ويقول لها ببساطة: يبدو أنك تستحقين!
لا تكمن الخطورة هنا في الرجل الذي انتهكها على كافة الأصعدة وحسب، وإنما في الرجل الذي لم يُبالِ لأنها انتهكت، ثم ذهب أبعد من حدود اللامبالاة فبرر ذلك الإنتهاك!
…………
في عامها الثامن كانت ابنتي نجلاء إحدى المشتركات في نادي الجري في مدرستها.
نجلاء هي ديكتاتور البيت، لم تدخله على ظهر دبابة ولكنها راحت تعربش على عرشه منذ اللحظة التي ولدت فيها ونحن لا نبالي!
ذات مساء وبعد عودة والدها من عمله أصدرت أمرا بأن يخرج معها كي يركضا حول الحي في محاولة لتحسين قدرتها على الجري، فأذعن للأمر!
كان الحي غارقا في ظلام دامس وسكون مطبق، اختارا شارعا ضيقا تحيط به الأشجار الكثيفة من الطرفين نظرا لقلة عدد المارة والسيارات.
بدأ السباق وخلال دقائق راحت نجلاء تتقدم على أبيها أشواطا.
في غمرة ذلك السكون ضرب سائق على فرامل سيارته بشدة أحدث ضجة هائلة. نظر زوجي باتجاه الصوت فتبين من خلال العتمة وجه امرأة ترجلت ثم شهرت مسدسها في وجهه، وصاحت:
ـ قف أيها الرجل وإلا أطلقت عليك النار!
كاد زوجي يفقد وعيه، فلقد أدرك أنه في مأزق وحياة نجلاء في خطر.
تصور أنها محاولة لخطف نجلاء فارتعدت فرائسه وصاح: من أنت، وماذا تريدين؟
ـ لماذا تطارد تلك الطفلة؟!
ـ إنها ابنتي!
أثناء الجدال، سمعت نجلاء الصوت فالتفت إلى الوراء ثم ركضت باتجاه والدها وأحاطت خصره بذراعيها.
سألتها المرأة:
من هذا؟
ردت نجلاء: إنه أبي!
اقتربت المرأة من زوجي مصافحة إياه، وقالت: انظر إنني أحمل مفك براغي وليس مسدسا، لقد ظننت بأنك رجلا يطارد طفلة وهي تحاول الهرب منه، خاطرت بحياتي كي أعطي الطفلة الوقت الكافي فتهرب، إني أعتذر!
في المجتمع الإسلامي لا يشعر المرء بالرصاصة مالم تخترق عظمه، أما في المجتعات الحضارية فالإنسان يضحي بحياته كي ينقذ طفلا في مأزق!
تسلل الطغاة إلى مجتمعاتنا ليس في غفلة عنا وإنما أمام أعيننا، لأننا بشر لا نكترث، ولم تستطع دبابتهم أن تخترق أي مجتمع حضاري لأن إنسانه يقاتل
النملة عندما تلامس جسده، ناهيك عن الدبابة عندما تخترق حرمته!
لقد اعتدنا أن نقول: وصل صدام حسين أو حافظ الأسد أو فلان الفلاني إلى السلطة على ظهر دبابة، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة!
لا يستطيع طاغية أن يخترق مجتمعا حتى ولو امتطى ظهر دبابة مالم يكن إنسان ذلك المجتمع جثة هامدة لا حراك فيها!
قد يأتي على ظهر دبابة ليطيح برأس






















































